الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
266
مناهل العرفان في علوم القرآن
مرتّب الآيات كذلك في كل رقعة أو عظمة ، وإن كانت العظام والرقاع منتشرة وكثيرة مبعثرة . على أننا قرّرنا غير مرة أن التعويل كان على الحفظ والتلقي قبل كل شئ ، ولم يكن التعويل على المكتوب وحده ، فلا جرم كان في الحفظ والكتابة معا ، ضمان للنظام والترتيب ، والضبط والحصر . وأما قولهم في هذا الاحتجاج : « وقد ضاع بعضها » فيظهر أنهم استندوا في ذلك إلى ما ورد من أنه فقدت آية من آخر سورة براءة ، فلم يجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت فظنّ هؤلاء أن هذا اعتراف منا بضياع شئ من مكتوب القرآن . وليس الأمر كما فهموا ، بل المعنى أن الصحابة لم يجدوا تلك الآية مكتوبة إلا عند خزيمة بخلاف غيرها من الآيات ، فقد كانت مكتوبة عند عدّة من الصحابة ، ومع ذلك فقد كان الصحابة يقرءونها ويحفظونها ويعرفونها بدليل قولهم : فقدت آية . وإلا فما أدراهم أنها فقدت من الكتابة لو لم يحفظوها ؟ . وأما قولهم في هذا الاحتجاج أيضا : إن ضياع ذلك البعض دعا الصحابة إلى دعوى النسخ وهو من غريب المزاعم ، فهو قول أثيم أرادوا به الطعن على النسخ وإنكاره ، وسيأتيك الكلام على النسخ وحكمته ودفع الشبه عنه في مبحث خاص إن شاء اللّه . ( 7 ) وأما احتجاجهم السابع بما نسبوه إلى الحجّاج ، فهي نسبة كاذبة ، لا برهان لهم بها ، ولا دليل عليها . وها هو التاريخ ، فليأتوا لنا منه بسلطان مبين على أن الحجاج جمع المصاحف ، فضلا عن أنه نقص منها أو زاد فيها . ولو أنه فعل ذلك لنقل إلينا متواترا ، لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره ! وكيف يفعل ذلك ، والأمة كلها تقرّه ، وأئمة الدين الموجودون في عهده كالحسن البصري يسكتون ولا ينكرون ، ولا يدافعون ولا يستقتلون ؟ « إن هذا إلّا اختلاق » .